|

قبل سنوات قليلة وتحديداً منذ ثلاث سنوات، كانت المجالس الرمضانية التي تعقد في مختلف إمارات الدولة، تناقش القضايا الاجتماعية ذات الأبعاد المحلية الصرفة، أو هي تدور في إطار محدود ويأخذ النقاش مختلف الأوجه، دون تحديد قضية معينة، تهم بالدرجة الأولى قضايا الوطن والمواطن.
وفي الفترة الأخيرة بدأت هذه المجالس تأخذ أبعاداً جديدة في الأسلوب والطرح، ونوع القضايا التي تطرح، والحق يقال إن كثيراً من هذه المجالس التي تناولت قضايا إستراتيجية وهامة، وقضايا تخدم المجتمع الإماراتي. بدأ تأثيرها يظهر على مستوى الدولة، حيث كثير من هذه القضايا تبنتها الدولة فيما بعد وأبرزتها إلى حيز الوجود بشكل قوانين أو توجيهات ملزمة للجميع. واليوم ونحن نعيش أيام شهر رمضان المبارك، تتواصل المجالس الرمضانية في مختلف إمارات الدولة، وتطرح القضايا الإستراتيجية، خاصة وأن المنطقة بشكل خاص، والعالم بشكل عام، يعيش الكثير من الكوارث الطبيعية، ومن أحداث تتعرض لها الدول وتؤثر على مجتمعاتها، ومن أهم القضايا التي بدأت تطرح قضايا تخص المخزون الغذائي الذي بدأ يشكل أهم عائق في حياة الدول.
«البيان» حضرت مجلس الدكتور سليمان الجاسم رئيس جامعة زايد، وهو مجلس رمضاني تقليدي اعتاد أن يقيمه في شهر رمضان، ويحضره عدد من الشخصيات الاجتماعية والهامة في المجتمع الإماراتي، وتابعت الحوار الساخن الذي دار بين الحضور في الفجيرة، والذي حمل عنوان «الأمن الغذائي الاستراتيجي للدولة ودواعيه في ظل الظروف الراهنة.
كوارث وأزمات
استهل الحديث الدكتور سليمان جاسم بكلمة تأبينية عن رحيل عميد المصورين الإماراتيين، نور علي راشد الذي وصفه بالرجل الموثق، الذي رصد ملايين الصور، التي تجسد كافة مراحل بناء الدولة، وحتى قبل قيامها، وكانت كلمة صدق من رجل آمن بالعمل الصحفي الشاق.
وفيما يخص الأمسية الرمضانية قال: تأتي أهمية موضوع هذه الأمسية الرمضانية، لأهمية المستجدات العالمية التي فرضت نفسها على الساحة الدولية، والتي في اعتقادنا تتطلب اهتمام الحكومات والشعوب بمواجهتها بشكل علمي وواقعي ومدروس، والواقع يقول إن هناك الكثير من التقلبات غير المتوقعة، والتي ربما لم تكن في الحسبان، أو هي بعيدة عن التوقعات، مثل ما حدث من الهبوط المفاجئ في الإنتاج المحلي والعالمي من المخزون الغذائي، بسبب الكوارث الطبيعية التي حدثت في بعض البلدان، وكما حصل مؤخرا في جمهورية الباكستان.
أضف إلى ذلك المتغيرات السياسية الدولية، كل هذه العوامل والأحداث العالمية، وأيضا العوامل الأخرى التي لم تظهر بعد، وهي ليست ببعيدة، مثل منع توريد أهم السلع الغذائية من قبل بعض البلدان المنتجة لهذه المواد، هذه القضايا كافة جعلتنا ندعو وبشكل سريع، إلى ضرورة اهتمام الدولة بالعمل على إعداد مخزون غذائي استراتيجي.
بما يكفي الاستهلاك المحلي على الأقل لمدة ستة شهور، حتى وصول كافة السلع المتعاقد عليها، إلى جانب تأسيس هيكل تنظيمي لإدارته، يصدر بتوجيهات من القيادة العليا للبلاد، وأن يكون على رأس هذا الهيكل نظام كيفية معالجة الكوارث ومعالجتهما في حينها، إذا وقعت لا قدر الله.
الأمن الغذائي
وأشار الدكتور سليمان جاسم إلى المخزون الاستراتيجي الغذائي وأهميته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية قائلاً: كما نعلم أن هناك فرقاً بين «المخزون العامل» و«المخزون الاستراتيجي»، الأول يعني الحد الأدنى الواجب الاحتفاظ به، لمواجهة التقلبات العادية. سواء في الإنتاج المحلي أو الأسعار العالمية، والثاني يشمل الاحتياطات القومية، التي يتم الاحتفاظ بها لمواجهة التقلبات الحادة، في الإنتاج والأسعار العالمية، والظروف الطارئة مثل الكوارث والحروب والأزمات، ويقوم بإدارة المخزون الاستراتيجي سلطة عليا على مستوى الدولة.
وتأتي السلع الغذائية على قمة الأولويات الإستراتيجية، وبعدها مياه الشرب ثم الوقود بكافة أنواعه والأدوية بمختلف أصنافها، وتشمل السلع الغذائية والحبوب الرئيسية، مثل القمح والذرة والشعير والفواكه، وكذلك التمور والبطاطا والبصل واللحوم بأنواعها والأعلاف الجافة والزيوت النباتية.
وهناك دراسة أعدها الباحثون في دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي، حذرت من مخاطر عدم وجود مخزون استراتيجي، من السلع الغذائية الأساسية لمواجهة الأزمات الغذائية المستقبلية، والممارسات الاحتكارية في السوق المحلية، حيث تعتمد الدولة على الواردات في تأمين 85 % من إجمالي احتياجاتها الغذائية، أيضا مساهمة القطاع الزراعي في الناتج الإجمالي، تتناقص عاماً بعد عام. حيث بلغت 8 .0% العام الماضي مقابل 5 .3% عام 2003، وهناك اعتماد بنسبة 100% على الخارج في تغطية الاستهلاك المحلي، من سلع غذائية إستراتيجية مثل القمح والسكر والدقيق والزيوت النباتية، في حين هناك اكتفاء ذاتي من الأسماك والتمور بعد نجاح الدولة في تحقيق ذلك خلال السنوات الماضية، بينما قيمة استيراد السلع الغذائية، تعد ستة أضعاف الصادرات الزراعية.
حديث الساعة
الدكتور جمال السعيدي قال: الحديث عن المخزون الغذائي، هو حديث الساعة وسوف يظل يستمر الحديث كل يوم، باعتبار المخزون من السياسات الإستراتيجية للدولة، ومن السياسات التي تتبعها معظم الدول في تخزين المواد الأساسية والضرورية، على الأقل لمدة ستة شهور، وصحيح إننا كمجتمع إماراتي لم نتأثر حتى الآن بالأزمات العالمية في مجال الغذاء.
إلا أن هناك بوادر من انخفاض استيراد بعض المواد الغذائية الأساسية، بسبب الكوارث الطبيعية التي حصلت مؤخرا في بعض الدول مثل الباكستان والهند والصين وروسيا، ولا ننسى أننا مجتمع مستهلك لمواد الأرز والقمح وهذه المواد اليوم تقلصت في البلدان المزرعة لها بسبب الأمطار والفيضانات، وبالتالي سوف نعاني من عدم الاستيراد إلا إذا التجأنا إلى بلدان أخرى منتجة لهذه المواد.
وقال الدكتور هاشم سرحان: الأزمة الاقتصادية العالمية لم تشعر بها دول مجلس التعاون الخليجية، إلا في عام 2008 عندما امتنعت الهند وتايلاند من تصدير منتجاتها من الأرز، بعد ذلك توجهت الدولة الى الباكستان والسودان وبعض دول الاتحاد السوفييتي سابقا، لكي تعوض النقص الكبير الذي حصل في هذه المادة الأساسية للمجتمع الخليجي. وأضاف الدكتور سيف القايدي: أريد أن أؤكد على ما قاله بعض الزملاء من أن موضوع الأمن الغذائي هو موضوع شائك جدا، فالدولة تستورد من 40% إلى 60% عن طريق النشاط الزراعي، كما أن الإشارات التي تأتينا من الدولة في مجال الأمن الغذائي، غير واضحة بالنسبة للمجتمع الإماراتي.
وعندما نتكلم عن الأمن الغذائي علينا أن نأخذ أمثلة في الدول التي نجحت في هذا المجال، عندما تعرضت لحصار من قبل دول أخرى، فهناك مثلا العراق الذي نجح في تخزين المواد الغذائية الأساسية، وحافظ على سلامة أمنه الغذائي أثناء الحصار. وعندما أقول إن هناك إشارات سلبية من قبل الدولة في مجال الأمن الغذائي فذلك يعني أن المجتمع الإماراتي لا يعرف من هي الجهة المسؤولة أو المخولة في وضع الاستراتيجيات الخاصة بتخزين المواد الغذائية والحفاظ على الأمن الغذائي، هل هي وزارة البيئة والزراعة، هل هي هيئة الاستثمار والإنماء الزراعي، من هي الجهة المسؤولة عن هذه السياسة الإستراتيجية في مجال الأمن الغذائي.
ثقافة المجتمع
وقال خليفة مطر: في اعتقادي إذا أردنا أن نتحدث عن إستراتيجية المخزون الغذائي في الدولة، وكيفية الحفاظ على الأمن الغذائي، علينا أولا أن نتفهم الخلل الموجود في المجتمع، والذي يتمثل بجهله لمثل هذه المواضيع، إذن علينا أولاً أن نقوم بغرس مفهوم تثقيف الفرد والأسرة ثم المجتمع بأهمية معنى الأمن الغذائي، فجيل جديد بأكمله لا يعرف ما معنى الأمن الغذائي.
وأيضا لا يعرف أهمية النخلة التي نعتقد نحن كبار السن أنها من الأساسيات في حياتنا، وهي غذاء للإنسان، إذن جانب التوعية وتثقيف المجتمع بمفهوم الثقافة الزراعية الشاملة أهم ما يجب أن تقوم به .
وأيد حمدان أحمد حمدان ما قاله خليفة في انعدام الثقافة في كيفية مواجهة الكوارث، وضرورة العمل أيضاً على نشر التوعية بين أوساط المجتمع.
أما يوسف احمد خلفان فقال أعتقد أننا بحاجة ماسة لدراسة هذه السياسة ووضع إستراتيجية تحفظ للبلد أمنه الغذائي، وأيضا أطالب بإعادة إعطاء المزارعين أهمية كبيرة ومتابعة دقيقة، حيث 90% من المزارعين تركوا الزراعة في مزارعهم وعلينا أن نعرف أسباب ذلك.
ثلاثة أشياء
الدكتور سامر سيف السماحي: أطالب الدولة بثلاث أشياء، أولاً الحفاظ على أشجار النخيل التي تجاوزت الأربعين مليون نخلة، وثانيا أن تعمل على استغلال موارد البحر وتطويره باعتبار الموارد السمكية من الموارد التي تدخل في إطار الأمن الغذائي، وثالثا استغلال التكنولوجيا والأساليب الحديثة في التخزين، لأننا فعلا بحاجة الى سياسة إستراتيجية في مجال تخزين المواد الغذائية الأساسية.
وأشار محمد الملا إلى ضرورة أن تأخذ الجمعيات التعاونية دورها الوطني في هذا المجال وتبادر بوضع خططها الاستراتيجية .
مقترحات وحلول
من الحلول والمقترحات التي وضعت في الأمسية الرمضانية، العمل على تنظيم انسياب السلع للأسواق لأطول فترة ممكنة وإحداث التوازن بين العرض والطلب، واستقرار الأسعار واطمئنان الجمهور بأن احتياجاتهم متوافرة عند الضرورة، وإيجاد مخازن ومستودعات تستوعب مواد غذائية ومياه على الأقل لمدة ستة أشهر، وترتيب البيت الإماراتي وتحديد متطلباته من الاستهلاك وحاجته من الاستيراد، وتشجيع الاستثمارات الوطنية، في دخول مجال الإنتاج الزراعي.
وإنشاء معاهد متخصصة تدرس استراتيجيات وسياسات الأمن الغذائي وطرق التخزين ومعالجة الكوارث ومواجهتها في حينها، والعمل بروح جادة وبمثابرة من الجميع على إيجاد أرضية قوية لتثقيف المجتمع الإماراتي في كيفية مواجهة الكوارث الطبيعية، وفي مسألة الاقتصاد الحد من الإسراف، ونشر التوعية والإرشاد على كافة المستويات، في البيت والمدرسة وداخل أوساط المجتمع.
تحذير
تنويع مصادر الاستيراد لا يحقق أهدافه
قال الدكتور سليمان الجاسم رئيس جامعة زايد إن تنويع مصادر الاستيراد، لا يحقق أهدافه في حالة تفشي أوبئة، مثل أنفلونزا الطيور، حيث تم وقف الاستيراد من 28 دولة، وعانى الجمهور من النقص الحاد في البيض والدجاج، وارتفعت أسعارها ارتفاعاً مبالغ فيه، وفي مجال مخزون القمح وفي تصريح سابق للمهندس سلطان بن سعيد المنصوري وزير الاقتصاد، أكد أن الدولة لديها مخزون من القمح يكفي احتياجات الأسواق المحلية لمدة ستة شهور.
كما قال إن الاستثمار في استئجار أراضٍ زراعية خارج الدولة، وزراعتها بمحاصيل غذائية للاستهلاك المحلي غير مجدٍ على المدى القصير، وقال إن هناك بدائل في استيراد القمح بعد الحظر، الذي أعلنته روسيا على تصدير القمح منها كندا واستراليا وأوكرانيا.
وهناك أيضا اهتمام كبير من قبل قيادة الدولة لمواجهة تلك الأزمات، وتم اتخاذ بعض الخطوات، على سبيل المثال قام الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد ابوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس المجلس التنفيذي، بتشكيل لجنة الأمن الغذائي في إمارة ابوظبي، كما اعتمد المجلس التنفيذي، أيضا مشروع التخزين الاستراتيجي للمياه في منطقة ليوا بالمنطقة الغربية.
البيان 24/8/2010
|